الجاحظ

172

رسائل الجاحظ

يقولون عند أيمانهم وابتهالهم إلى ربهم على غير قصد إلى خلاف ولا وفاق : ورب الزنا والسرقة ، ورب الكفر والكذب . كما سمعوهم وهم يقولون : ورب القرآن ، ورب يس ، ورب طه . ثم ألزمناهم خلق القرآن بمثل ما لهم علينا في خلق الزنا لقد كان ذلك معارضة صحيحة وموازنة معروفة . وأما قولهم : إن معنا العامة والعباد والفقهاء وأصحاب الحديث ، وليس معهم إلا أصحاب الأهواء ومن يأخذ دينه من أول الرجال ؟ فأي صاحب تقوى يرحمك اللّه أبعد من الجماعة من الرافضة ، وهم في هذا المعنى أشقياؤهم وأولياؤهم ، لأن ما خالفوهم فيه صغير في جنب ما وافقوهم عليه . والذين سموهم أصحاب أهوائهم المتكلمون والمصلحون والمستصلحون وأصحاب الحديث ، والعوام هم الذين يقلدون ولا يحصلون ولا يتخيرون . والتقليد مرغوب عنه في حجة العقل منهي عنه في القرآن قد عكسوا الأمور كما ترى ونقضوا العادات ، وذلك أنا لا نشك أن من نظر وبحث وقابل ووزن أحق بالتبين وأولى بالحجة . وأما قولهم منا النساك والعباد ! فعباد الخوارج وحدهم أكثر عددا من عبادهم ، على قلة عدد الخوارج في جنب عددهم . على أنهم أصحاب نية وأطعم طعمة وأبعد من التكسب وأصدق ورعا وأقل زيا وأدوم طريقة وأبذل للمهجة وأقل جمعا ومنعا وأظهر زهدا وجهدا . ولعل عبادة عمرو بن عبيد تفي بعبادة عامة عبادهم . وأما قولهم إن للقرآن قلبا وسناما ولسانا وشفتين وأنه يقدس ويشفع ويمحل . فإن هذا كله قد يجوز أن يكون مثلا ويجوز أن يجعله اللّه كذلك إذا كان جسما واللّه على ذلك قادر وهو له غير معجز ومنه غير مستحيل ، وكل فعل لا يكون عيبا ولا ظلما ولا بخلا ولا كذبا ولا خطأ في التدبير فهو جائز والتعجب منه غير جائز . فصل منه : وما أكثر من يجيب في المسائل ويؤلف الكتب على قدر ما يسنح له في وهمه وعلى قدر ما يتصور له في حاله تلك لا يعمل على أصله ولا يشعر بالذي انبنى عليه ذلك الأصل ، وإن كان ممن يعمل على أصل ، وإنما صار علماؤنا إلى ما صاروا إليه لأنهم لا يقفون عن القول في خلق القرآن على جواب مهذب ومذهب مصفى ، وعلى قول مفروغ منه وعلى جوابات بأعيانها ، فقد رددوا فيها النظر